السيد محمد باقر الصدر
78
محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )
عن طريق إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب ، من قبيل حصول العلم بوجود الكعبة لدى إخبار جماعة عن وجودها بعد فرض امتناع تواطئهم على الكذب . فهنا في الواقع حكمان عقليّان : أحدهما يستند إلى الآخر . والأوّل هو حكم العقل بوجود الكعبة . إلّاأنّ هذا الحكم مستند إلى حكم عقلي آخر سابق عليه ، وهو استحالة تواطؤ الجماعة على الكذب . ومن هنا يظهر الفرق بين المحسوسات والمتواترات : ففي المحسوسات يستند العقل في حكمه إلى الإحساس ، بينما يستند هنا إلى حكمٍ عقلي آخر هو امتناع التواطؤ على الكذب . وعلى هذا الأساس فنحن لا نعدّ القضايا المتواترة من القضايا الأوّليّة ؛ لاستنادها إلى حكم عقلي آخر سابق عليها ، ولكنّنا سنبرهن في الأبحاث الآتية أنّ الحكم العقلي السابق هذا هو بدوره ليس حكماً عقليّاً أوّليّاً ، وإنّما هو ناتجٌ عن الطريقة الذاتيّة في التفكير . 5 ، 6 - يبقى التعليق على التجربيّات والحدسيّات ، حيث الحكم في كلتا الحالتين قائمٌ على أساس تكرّر المشاهدة والممارسة بحيث يمتنع معه الاتّفاق « 1 » . وهنا يأتي نفس ما سجّلناه على المتواترات ؛ لأنّ هذا التعريف يفترض وجود حكم عقلي سابق باستحالة الاتّفاق عند تكرّر المشاهدة « 2 » ،
--> ( 1 ) انظر : القواعد الجليّة في شرح الرسالة الشمسيّة : 396 ؛ المنطق ( المظفّر ) : 333 ، 334 ، وقد فرّقت بعض المصادر بين المجرّبات وبين الحدسيّات على أساس أنّ الحدسيّات لا تحتاج إلى تكرّر المشاهدة ، فراجع : تحرير القواعد المنطقيّة : 459 ( 2 ) راجع : شرح الإشارات والتنبيهات 1 : 217 ؛ شرح حكمة الإشراق : 122 ؛ الجوهر النضيد : 201